الشيخ محمد عبده

20

رسالة التوحيد

أما مذاهب الفلسفة فكانت تستمد آراءها من الفكر المحض ، ولم يكن من همّ أهل النظر من الفلاسفة إلا تحصيل العلم والوفاء بما تندفع إليه رغبة العقل في كشف مجهول ، أو استكناه معقول ، وكان يمكنهم أن يبلغوا من مطالبهم ما شاءوا ، وكان الجمهور من أهل الدين يكنفهم بحمايته ، ويدع لهم من إطلاق الإرادة ما يتمتعون به في تحصيل لذة عقولهم ، وإفادة الصناعة ، وتقوية أركان النظام البشرى بما يكشفون من مساتير الأسرار المكنونة في ضمائر الكون ، مما أباح اللّه لنا أن نتناوله بعقولنا وأفكارنا في قوله : ( 2 : 29 خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) إذ لم يستثن من ذلك ظاهرا ولا خفيا ، وما كان عاقل من عقلاء المسلمين ليأخذ عليهم الطريق أو يضع العقاب في سبيلهم إلى ما هودا إليه بهذا ما رفع القرآن من شأن العقل ، وما وضعه من المكانة بحيث ينتهى إليه أمر السعادة والتمييز بين الحق والباطل ، والضار والنافع ، وبعد ما صح من قوله عليه السلام : « أنتم أعلم بشؤون دنياكم » 23 وبعد ما سن لنا في غزوة بدر من سنة الأخذ بما صدق من التجارب وصح من الآراء . لكن يظهر أن أمرين غلبا على غالبهم ( الأول ) الإعجاب بما نقل إليهم عن فلاسفة اليونان ، خصوصا أرسطو وأفلاطون ، ووجدان اللذة في تقليدهما لبادئ الأمر ( والثاني ) الشهوة الغالبة على الناس في ذلك الوقت ، وهو أشأم الأمرين : زجوا بأنفسهم 24 في المنازعات التي كانت قائمة بين أهل النظر في الدين ، واصطدموا بعلومهم في قلة عددهم ، مع ما انطبعت عليه نفوس الكافة 25 فمال حماة العقائد عليهم . وجاء الغزالي ومن على طريقته ، فأخذوا جميع ما وجد في كتب الفلاسفة مما يتعلق بالإلهيات وما يتصل بها من الأمور العامة ، وأحكام الجواهر والأعراض ، ومذاهبهم في المادة وتركيب الأجسام وجميع ما ظنه المشتغلون بالكلام يمس شيئا من مباني الدين واشتدوا في نقده . وبالغ المتأخرون منهم في تأثرهم حتى كاد يصل بهم السير إلى ما وراء الاعتدال ، فسقطت منزلتهم من النفوس ، ونبذتهم العامة ، ولم تحفل بهم الخاصة ، وذهب الزمان بما كان ينتظر العالم الإسلامي من سعيهم .